قد تكون لدينا مشكلة بموروثنا العربي فيما يُسمى بالكرم والنُبل ، وقد تكون مشكلتي أنني لم أستطيع أن أتخلص من موروثاتنا العربية خصوصاً في الكرم . منذ أيام أشغل كلاس مسائي ومعنى مسائي أن هناك مساحة أكبر للنوم . لا يمكن الإستيقاظ حتى يحين وقت بداية الدراسة وعند الإنصراف تكون الشمس أشرفت على الرحيل وتتسابق محلات السوبرماركت على الإغلاق . في الساعة الخامسة في استراليا تغلق الكثير من المحلات ، وتبقى فقط محلات السوبرماركت والتي على الشوارع الرئـيسية . وبرادات المشروبات الغازية تحتاج لكوينز وأنا أكره الكوينز ولا أحتفظ به ، وإن توفر الكوينز لم تتوفر البرادات !
منذ خمسة أيام نفذت أخر علبة كولا من براد البيت ، ومنذ خمسة أيام وأنا أحاول إيجاد وقت أشتري فيه مالذ طاب ومن ضمنها كوكاكولا .
استراليا شتاء هذه الأيام ، وعادةً في فصل الشتاء ينشغل الناس بالقهوة والشاي ، وهذا ما افعله حقيقة لكن لا أدري لماذا الكولا شغل الخاطر .
بعد إنتهاء دوام اليوم وعند الإصراف وأنا على طريقي لمحطة الباص وجدت براد كولا بكامل أناقته وبمختلف الأشكال من علبة و بوتل من دولار ونصف لثلاثة دولارات وبالكوينز طبعاً . وأتاكد من محفظتي لأجد بها كوينز بمختلف الأشكال وبالتاكيد تفوق قيمة علبة الكوكاكولا . وضعتها وأخترت أجمل علبة وأضفت رقمها لتصلني بسلام قبل أن ابتسم ابتسامة الإنتصار ، يصلني سلام من توني صديقي الكوري .. يسالني عن الحال وينظر إلى الكولا ومن غير تفكير ..
العربي : توني تفضل كولا
توني : بدون أي تردد . ياااه شكراً عبدالله
لا بأس معاي كوينز وبنفس الطريقة طلبت علبة جديدة لتصلني بسلام على لحظة وصول لويس صديق عزيز وأيضاً كوري
العربي : لويس .. كيفك .. تفضل كولا
لويس : بإبتسامه ساحرة .. يااه شكراً عبدالله .
لا بأس تبقى معاي شئ من الكوينز وبمجمعوهم يمكنني الحصول على علبة كولا وبنفس الطريقة تصلني علبة أخرى أيضاً بسلام .. لأخذها وأكمل حديثي مع لويس وأتفاجاً بوجود فتاة
العربي : اوه .. مرحباً
توني : هذه صديقتي كورية أيضاً
توني : يتحدث للصديقة هذا صديقي عبدالله
الصديقة : تشرفت بمعرفتك عبدالله وتنظر للكولا
العربي : وأنا أيضاً .. تشربي كولا
الصديقة : يااااه .. شكراً عبدالله .
أتفحص محفظتي لأجد نقود ورقية من غير كوينز . وأبحث بين الكتب لأجد بعض السنتات وبعد جمعها وبرحمة من الله أصبحت قيمة علبة أخيرة .
وبنفس الطريقة سريعاً أحصل على علبة أخرى لحظة وصول الباص لأذهب به بعيداً ويبقى جهاز براد أنظر إليه وينظر لي بإستغراب ..
نادراً باسترالياً ما يدفع شخص عن بقية أصدقائه بدون مناسبة ما عدا صاحبكم العربي وما تبقى به من موروثات .
مساء الجمعة يرحلون و على الأحد يعودون .. عطلة العقول نهاية الأسبوع يسترحون .
عادة ما يكون الويك أند راحة لنا نستعيد بها ساعات إضافية للنوم ووقت للإسترخاء ومراجعة ما فات من دروس . هم أيضاً ناجحون لكن بنهاية الاسبوع ما يهم تبقى الأجساد وترحل العقول .
الإستراليون يعملون بجد طوال الأسبوع ، نادراً ما تجد شخص بوظيفة واحده أو تجد طالب دون أن يشغل ساعات عمل يومية .
على سبيل المثال إحدى الاساتذة ” محاضرة بالجامعه وإستاذة بمعهد تعليم اللغه ومربية ” تشغل ثلاث وظائف خلال أسبوع واحد . الحياة هنا مسابقة لجني أكبر قدر من المال لذا يعملون ليل نهار لأن كل شئ في إستراليا بمال وما تكسبه من مال تتقاسمه معك الحكومة كـ ضريبة !
تعب وتراكمات نفسية دون أن تجد عون أو مساعدة مجانية حتى الأخوة يتحاسبون . لذلك نهاية الأسبوع تعني الكثير للاستراليين يتخلصون بها من عقولهم ليسترحون ، بعد العقول لا هموم ولا تراكمات نفسية ولا خمول
تخبط وجنون لحظات فرح ولحظات حزن و أحيانا تنتهي بمجون .
في نهاية الأسبوع ترى سيارات الأجرة في كل مكان. لا يقودون وهم سكارى والقانون لا يحمي فاقدي العقول .
*
بعد الغروب لا مكان للعقلاء.. اليوم صنعت لنفسي مسرحية على خشبة مسرح متحركة وكبيرة مُخرجها طبيعية زخرفها بسماء ممطرة وأوراق خريف متناثرة .
أبطالها أفراد لكل واحد منهم حكاية سعيدة أو قصة حزينة . أضاع المطر ملامحي العربية لأرفع راسي وأشاهد فتاة طائرة ترفرف بيديها لعل الله يرفعهامع ضحكات زادتها ثقل وبقيت بمكانها لكنها بقيت عند محاولاتها أو إحتفظت بشعورها كفتاة طائرة . لحظات عند إشارة المُشاة يميني أخرى قادمة تتخبط كالشياطين و يلعب بها الهواء من كل إتجاةوقبل أن تطير مع اوراق الشجر تحتضن الأشارة التي أعطتنا الضوء الأخضر لتتخلص منا بالإنصراف وهي تنعم بحضن بلا مقابل .
ونحنُ بطريقنا للجهة الأخرى من الطريق تمر بجانبي فتاة أخرى بخطوات متقاربة لكنها سريعه جداُ وتنادي صديقاتها ليتحركوا أسرع . لا تستطيع الوقوف وتريد أن تلحق بالدنيا !
بعد أن زاد المطر ذهبت لأحتمي بسقف بنك كُومن ويلث لأتذكر أن محفظتي لا تنعم سوى بسنتات لا أحبها إقتربت من جهاز الصراف الألي لأجد فتاة أخرى بحجم أكبر متناثرها كُتلها تحت جهاز الصراف بعد أن رحل عقلها وهي أيضاً بسبات عميق . وكثر هم مشاهد صامته بعيون تخفي الكثير وصرخات داخليه إعتاد أصحابها أن تبقى لتموت دون أن تخرج وتربكهم بعد عودة عقولهم .
*
المطر يخرج المكان بصورته الحقيقية وتصبح كل الأشياء من حولنا صالحة للمشاهدة منتجة بطريقة علاجية
المطر يغسل أرواحنا من غبرة الايام ومن ملل الروتين . ورائحته تبث بأرواحنا طمأنينة وأمان ورسالة تخبرنا أن كل شئ على مايرام .
أعتقد هذا ما يقوله أصدقائي وزوار مدونتي الأعزاء ” ترجع تقول ابي أعتذر ” وهذا ما فعلته بالأونة الأخيره لا أجيد غير الإعتذار
ما أصابني سوى عزوف عن الكتابة .
حياتي الجديدة لا تجعل عقلي يحظى براحة ، وبالي دائماً مشغول .
الفكر يريد إستقرار والقلم يخجل من الأخرين . نادراً ما أنام لساعاتٍ طوال دون فواصل أضغاث وهواجس وكوابيس . في إستراليا أبتسم و أصادق الأخرين وصحتي على مايرام وأيضاُ سعيد لكن ما يُعيقني سوى كوني طالب ثاني مره .
إستراليا خلف المحيط لا غبار لا عنصرية لا إرهاب لا أحزاب وحقوق يطالب بها الأخرين . هنا إستقرار وأمن وطلاب دوليين بتزايد رهيب .
السعوديون يمثلون العرب لعددهم الكبير ، والبقية يختصرون القارات بشرق أسيوية يابانيين وصينيين غزو العالم بحجة التعليم ليتخصلوا من مليون بهوية طالب ، وأعتقد الهوية الإسترالية في خطر من هذه الكائنات .. كثر كثر صدقوني عددهم كبير .
وحقيقة ما يشغلني هذه الأيام أفكار تدور كيف تكون اليابان بهذه القوة وهؤلاء أبنائها . الغباء الياباني لم يلتفت له أحد ويبدو أنه كما في اليابان عباقرة وأذكياء فهناك الجانب المظلم الذي لم يتحدث به أحد وهم أغبياء اليابان .
قابلت عدد ليس بالقليل من طلاب يابانيين . ومكثت معهم ساعات دراسية وأنا في حيرة من أمري هل حقاً هؤلاء أنتجتهم اليابان . بطئ بالفهم ، عدم إستيعاب ، صعوبة في إيصال المعلومة و البعض منهم لا يستطيع الكلام . كائنات غريبة تشعر لحظات أنها تعمل ببرمجة معينه وبطرق موحده . وهذه الكائنات ايضاً لم تضاف لها برمجة عاطفية لا مشاعر ولا أحاسيس . كائنات عملية دون الوعي بما يدور حولها ولا أريد المبالغه لأقول أن خاصية البكاء يفتقدها الكثير منهم والشعور بالسرور أو بالحزن تكاد تكون معدومة بالشخصية اليابانية .
هذا ما رايته ولا أعلم حقيقة لو تكون اليابان متفوقة جداً لتبتكر طرق أخرى غير بقية البشر يتخلص بها الياباني من ضغوطاته ويعبر بها عن مشاعره .
وأخيراً .. ليعفو عني الجميع
لأعود وأخبركم بما وعدتكم وأزيده ما إكتشتفت من جديد
يابان وصينيين ولا أنسى أنني على أرض إستراليا أقيم
مضى وقت طويل وأنا عن أحبتي بعيد .. أعتذر من الجميع
لدي الكثير يستحق التدوين ، لكني أفتقد للوقت والمزاج المناسب لرسم حروف بكم تليق
لذلك أعتذر مرةً أخرى لكل من زار المدونة ولم يجد جديد
*
حياتي هذه الايام تعب ..جمال إمتزج بتعب
تجدوني هنا .. عند ذاك النهر
أكتفي بالتامل على أنغام أغاني عرب
طلال ، عبادي ، محمد عبده حتى في أدليد هذا الطرب
*
في استراليا أشغل وظيفةً أخرى بعيد عن كوني طالب ثاني مرة فأنا منسق عاطفي أيضاً
لقصص حب الكثير منها لم يكتمل
سأخبركم بتفاصيل ذلك لاحقاً
بعد عناء سنوات طويلة بكرسي الدراسة برتبة طالب وحتى الوصول للمراحل النهائية كان للمدرسة رائحة خاصة لم أتخلص منها إلا بعد الحصول على وثيقة تخرج من كلية العلوم الطبية التطبيقية بتخصص مختبرات طبية بعد عناء دام خمس سنوات دراسة جامعيه .
للتفوق والإجتهاد ضريبة إستمرار وهذا ما حدث معي ، لم تدوم فرحة التخرج طويلا ً تفرغ أغرقه التفكير بتحديد المصير وظيفة وإستقرار أو جامعة وعناء . كان القدر أقوى من أي شئ أخر .
كان الطموح بتحقيق أعلى المستويات أكبر من بعض الأحلام كوظيفة وبيت سعيد . ومن هنا بدأت المعاناة ” طالب ثاني مره ” ليس هناك اسوأ من كونك طالب وبكرسي دراسة وأنا بإرادتي أعود لزنزانة الدراسة لكن هذه المرة بلغة وثقافة أخرى . كانت إستراليا أفضل بلد بالنسبة لي من عدة زوايا . أولها أقوى بتخصصي وأسهل من تزمت أمريكا وبريطانيا . وثانياً لتطمئن امي لأنها كانت من أشد المعارضين لسفري إلى أمريكا بشعار ” أحد يروح لبوش برجوله ”
حصلت على قبول من جامعه ممتازة للدراسات العليا بجنوب إستراليا حيث أن الإجراءات في الخارج أسهل بكثير من التنقل داخل وزاراتنا حيث أنها تحتاج لطاقة وصبر وقوة إرادة .
مضى الكثير من الوقت وأنا بصداع وتعب أخذتني إجراءات السفر من كل شئ حتى عن مساحتي هنا . إنشغال البال يوقف القلم عن النزف والعزف وتصبح القدرات بوضع الإستعداد حتى تعود لحالتك الطبيعية والأخيرة تحتاج للكثير من الوقت .
من الصعب الدخول بتفاصيل تلك الايام غير أنني لست على مايرام . وحتى يوم 3 فبراير تحدد المصير يجب السفر حيث رماني القدر . أدليد عاصمة جنوب إستراليا حيث الصيف من جديد . وعلى الإماراتية يجب أن اطير من الرياض كانت نقطة البداية حيث دبي نستريح ومن الميلنيوم هوتيل ننطلق 14 ساعه حيث ملبورن ومن هنا تبدأ الغربة وإجراءات التفتيش . بقلب السماء نطير ومن تحتنا أنهار ومحيطات وبحار ونقاط بلا تصنيف ساعات متعبه أنا وصديقي فقط عقلاء وبقية المسافرين خارج التغطية بفعل كأس مشين وأخذهم النوم حتى الوصول .
وأنا في السماء أستحضر لحظة الوداع . يصعب علينا نحن الرجال البكاء لنستريح لذلك يكون الموقف أصعب بكثير . كانت من أصعب اللحظات تقبيل الأهل وطلب السماح والدعاء وأنني سـ أعود على مايرام . حتى الأخوة كنا نظن أنهم قساة وهم من أجهش بالبكاء .
بعد الوصول لأستراليا مدينة ملبورن بالتحديد بعد ساعات طوال وإنتهاء إجراءات المطار نتوجه لبوابة عشرة حيث الإقلاع من جديد للجنوب حيث القدر يريد أدليد بالتحديد .
طائرة تلو الأخرى حيث بفضل الكريم تم الوصول بإستقبال بسيط غير حافل من شاب تابع للجامعه متخصص بإستقبال القادمين .
أدليد مدينة جميلة بمساحات كبيرة .. تحوي ثلاث جامعات إلى الاَن ولا اعرف لو أن هناك المزيد . الأجانب كثر ومختلف الجنسيات ومن شرق أسيا الكثير ..هناك بعض السعوديين وشئ من الخليج .
أحتاج لوقت لتعلم المواصلات وركوب الباصات والوصول حيث أريد . الأثنين بداية كورس إجباري للتحضير الأكاديمي لا أدري كم يدوم . اليوم أفضل بكثير من الأيام الماضية ..حيث التكيف مع الحياة الجديدة .
إشتقت لكم كثيراً ولمدونتي ولنفسي أيضاً .. يجب أن أعود وأخبركم بالمزيد .
أعتذر عن غياب طال ، وتخبط في كل مكان
نعم على مايرام
لكن أحتاج لتصفية تلك الايام
فقط إمنحوني فرصة
أستعيد بها ذاتي
وأعود إليكم وأخبركم عن خفايا تلك الليال
مشهد يتكرر في كل عام ورقم يتميز بجمال سنة جديدة ، العمرُ يمضي ونحن نتقدم خطوات ونبارك في كل مرة بولادة سنة جديدة وتخطيطات وتفاؤلات وتنتهي كما الأُخريات .
وهاهو عامنا الجديد يبدأ بهجرية المسلمين و سنة تحتضر بميلاد المسيح . ولترحل يا عام وتاخذ ما تبقى لك من الأيام ، ولا تنسى أن تجمع شتات وحسرات ونكبات ودموع وويلات واَهات . أرجو أن لا تُبقى لنا من اَلامك شئ .
ولو أثقلتك فرحة أو ضحكة دعها ترفع همة سنة جديدة لا تدري بعد كيف تكون .
وتًبَسمْ من أجلك الأبرياء . يعتقدون ياعام أنك مثل بقية الأشياء .. حديثي الولادة دائماً يتمتعون بجمال ونقاء .
مالجديد في جعبتك يا عام .. هل زال التشابه بين الايام ؟ ، هل ستعفو وتدعني أسيرُ كما أشاء ؟
هل سيحالفني الحظ وأبقى أتنفس الحياة وأستمتع بلحظات وداعك ؟ عندها سأطوي صفحة أيامك بلغة ٍ أخرى ؟
If you start judging people you will be having no time to love them ...
& . . وتلاشت الحدود ! &
هل صحيح أن الحياة مهزلة لمن يُفكر فيها . مأساة لمن يشعر بها ؟ هل صحيح أن التناقض في الحياة يزغزغ العقل ويمزق القلب ؟
يبدو أن هذا صحيح ، فالإنسانية خطر والإنسان هو مصدر الخطر طبعاً فالعقل الإنساني بكامل قدراتـه
يقضي على العقل
فما معنى العقل
وما معنى فقدان العقل ؟
ماهـي الحـدود بيـن العقـل والجنـون ؟
ومـن هو المسئول ؟
ومـن هو البـرئ
ومـن هـو المجـرم ؟
. . أنيس منصور