أرشيف ‘سرد قصصي’

نوفمبر
19

” لمى ” .. من إمتص الألم .

تحت تصنيف سرد قصصي

.

أيامي هذه طويلةٌ جداً وكأن الشمس تشرق بها مرتين ، أوراقي كثيرة ومعاملاتي كثيرة . وإجراءاتي لا تنتهي أبداً

أيامٌ يضيق بها تنفسي ، فيترك الزفير بصدري أثر ، وأيام يغلبني التوتر لأن الإنتظار يُسبب لي الألم .

مكالماتي كثيرة وطويلة جداً حتى أُذني تشكو التعب ، وصوتي بدأ يهبط ويختفي و قد أصابه الغرق .

قلمي بدأ يجف ، لأن عقلي حاضر دوماً  ولم ينم . وظهر قوس قزح بلون واحدأسفل عيني لِيُخبر الجميع أني أشكو السهر والأرق . ووزني لا يثبت على حال ، ينقص ويزداد وخصري بدأ يشعر بالحرج .

رؤيا الأمل هي من يجعلني أستعيد قواي وأكمل مشواري وأنسى شيئاً من التعب . وحلم المستقبل هو من يجعلني أخطو دون تردد نحو غداً .  وضميري اللعين ، الذي لا يرضيه مهما فعلت ، كان المحفز الأول لفعل كل شئ وتجرع الألم .

من السئ جداً أن تكون إنسان طموح ، والأسوأ أن ترسم لنفسك مستقبل ملئ بالنجاحات . وليس هناك  أشد ألماً عندما تُقدم ولا تجد ما يليق بك . ولاهناك صدمة أشدُ من خيبة أمل تُسلم لك كتهنئة بنجاحك .

عندما يمتلى الصندوق الذي يعلو راسك بكمية من العقل فأنت إنسان سئ الحظ ، ومتى ماكان صدى صوتك  يملؤ صندوقك فأنت إنسان سعيد . من يشعر بالحياة يموت مبكراً ، ومتبلد الإحساس يعيش الحياة مرتين .

المُبتلى من يتخذ من الكتاب صديق  . صداقة المثالي تجعلك بيئة خصبة للأمراض ، ووجبة متعفنة صالحة للجراثيم  . المثالية لا تجلب سوى الأمراض النفسية . والتثقيف يحتاج لمجتمع أكثر رقي .

إحذر أن تكون عاقل بين جمع من المجانين . سوف تجن في جميع الأحوال  من عقلك أو من جنونهم .

 

*

اليوم الثالث لي في الرياض .. تعبت من معاملاتي وتعبت من الرياض  . مدينةٌ لا أحبها ولا تحبني ولا يشفع لي سوى شئ من الذكريات الجميلة  . مخارجها كثيرة وشوارعها كبيرة جداً وطويلة . مُولاتها وأسواقها متناثرة على إمتداد طرقاتها السريعه . تُزينها جسورها المتداخله ، وتُزخرفها السيارات المنطلقة بسرعه جنونيه وجميعها  ذاهبه لتموت .

السيارات الكثيرة ، والشوارع الكبيرة والوجوه الشاحبة والإنارات القوية وونانات الشرطة كلها تستفزك بإستمرار وتسبب لك التوتر المستديم . شعور مخيف أن تكون بين ملايين لا تعرف بهم أحد ، والجميع ينظر لك على أنك غريب . شعور مخيف أن تخرج وتعود دون أن تجد ترحيب . شعور مخيف أن تقف بسيارتك عند الإشارة وتلتفت إلى اليمين ولا يبتسم بوجهك مواطن ولا مقيم . الحياة الرسمية تفتقد للذة . الحياة بالرياض هي حياة بصفة رسمية ..  سياسية وزارية حكومية .  وجهة عالمية . الحياة بالرياض حياة سمو ملكية ، التعايش معها يحتاج إلى الدبلوماسية .

تبقى لي إجراء فحص طبي كامل  ، لتكون وجهتي للعيادات الإستشارية . بعد بحث إستغرق الكثير ُ من الوقت وركوب مع ضياع مستمر لعمود فقري الرياض ” طريق خريص الكئيب ” وجدت العيادة لكنني أصبت بداء ” ملل الإنتظار وموظف الأستقبال ”  بعد إنتظار ضيفوني بليكيشن يحتاج للتعبئة وموعد بعد أسبوعين .

كُدت أرتكب جريمة قتل بموظفة الإستقبال القصيرة والقريبة جداً من الأرض ، إنتظار طويل و أبليكيشن كثير و موعد بعد أسبوعين !! . إنسحبت سريعاً لتكون وجهتي مستشفى ذو سمعة جيده وهو حديث الولادة بمدينتي  .

دخلت بشئ من الأمل لعلي أنتهي لأعود من حيث أتيت وأنهي هذا الكابوس المؤلم . وصلت لموظف المواعيد وهو مالوف ومتفهم جداً . . يبدو أنه قرأ توسلات بعيني ، أم أنه تاكد من صدق إيماني ليرسلني أن أرتفع ثلاثة ادور وأقتر ب من السماء لأكون عند لمى ” موظفة الإستقبال  المركز الطبي الناجح والمستشفى ذو المستقبل الواعد والطبيب الذكي جداً من يستنسخ لمى لتكون موظفة إستقبال لديه .

تختصر عمل الطبيب ، وتمتص ألم المريض وتنجز كل شئ بوقت قصير .  لمى ليست موظفة إستقبال جميلة فحسب ، أيضاً إبتسامتها وصفة طبية . وتعاملها أم حنونه . مستمعه جيده . عملت جاهدة لتنتهي فحوصاتي بنفس اليوم ، وعملت على تعبئة الأبليكيشن لتكتمل إجراءاتي  . زادت دقائق خارج دوامها لتجد لي الطبيب المختص وتطلب منه راجية أن يطلع على فحوصاتي المخبرية والأشعه لتنتهي معاملتي بأسرع وقت .

كان إنتظاري طويل لكنه مدعم بإبتسامات بماركة ” لمى ” أزالت تراكمات نفسية كثيرة ، وعملت على توفير هواء نقي لأتنفس بصورة صحيحة  . عندما وصلت إلى الطبيب وتمددت على السرير وطلب مني شهيق وزفير وقام بتقليب ملفي عدة مرات ، والإطلاع عبر المضئ على صور الأشعة  ، إلتفتَ بسرعه و سالني أنت سليم ولا تشكو من علة . . تستطيع الخروج . . ” توكل على الله ”

لم أشكره .. وقلت بخفاء  ” لمى “  ..  من إمتص الألم   .

.

أكتوبر
23

صالون الأربعاء

تحت تصنيف سرد قصصي

الأربعاء محطة توقف لأسبوع طويل من العمل والدراسة . فيه يستريح الجميع لمدة يومين بعدها يستانف الأسبوعُ طريقة . يتميز هذا اليوم بشئ من الخصوصية  ،  هو اليوم الوحيد الذي يكن له الجميع الإحترام والتقدير .  على عكس يوم السبت الذي لا يحبه طالب ولا مدير . الأربعاء قمة جبل ، وطوال الأسبوع تتسلق أيامه رغبة ً بالوصول . مساءُ الأربعاء يوم موعود والجميع يلهث ظمأ وكبت وجوع . يتفق الجميع بوجوب الإستمتاع ، ويختلفوا بطريقة التعبير .
مُولات و حفلات و زواجات ..  سهرات ، أفلام ومُسلسلات ومُباريات . ديوانية شباب وشياب وأطفال ، وهناك شلة بنات . الكل مبتهج وسعيد ما عدا زوجة أُجبرت على زيارة حماتها .
يوم الأربعاء حبيب الأُمهات .. يعود بفلذات أكبادهم من مختلف البقاع . نهاية أسبوع يجمع شتات المُغتربين . ويسمح لهم بالعودة لديارهم . من موظفين ومعلمين ظلمهم التعيين ،  وتلاميذ أشقاهم التعليم .

*

أصدقاء الأربعاء .. يجب أن نلتقي بعيداً عن كل شئ . عن الناس والمقاهي  . عن بقية الأصدقاء .
الأربعاء لقاء .. وله موعد ومكان .. كل أربعاء بعد الثامنة  نلتقي . نعم أصدقاء يجمعنا يوم الأربعاء .
أرض تجدها حيث تختفي البيوت ، وتكثر المزارع والبساتين .. شجر وثمر ونخيل ، بِركْه تصب حيث تمتلئ السواقي وتروي البهائم والنخيل .
غرف متناثره بطريقة غريبة ، أشرف عليها وصممها أفشل المهندسين . تتوسطها دكة ترتفع  قليلاً عن الأرض . ويقابلها مجلس أجزم انه بُني بطريقة غير شرعيه . لكنه يتمتع بهواء نقي  وشراحة يتنافس عليها الملوك .
صالون حديثه يمزج العلم والثقافة والأدب وبين الجهل والترف والفسق . تيار بسيط لسانه رطب وحديثه أدب تساؤلاته فلسفيه وحكاياته أدبية ويعنيه العالم والوطن . وتيار مادي يرى السعاده وجني المال لو على حساب الأخرين . الإنسانية ،  الوطن ،  العالم ..  أبداً لا تعنيه .
أسبوع يا خذنا حديث العالم وأخبارة ، وأخر مستجدات بوش . وأسبوع يشغلنا حديث المطابع ، وأخر الإصدارات . أسبوع أخر تطغى عليه الفلسفة وتاخذ نصيبها ويكون عازفنا مسترسل بالحديث عن أصدقائة سقراط وأرسطو وأفلاطون .
وليالي صفراء حديثها المذاهب والأديان . تزيدها قناة المُستقلة حماسة ولقاءات الهاشمي . وإبتسامات وتهكمات شيخه العرعور .
ولحظات يقوى التيار المادي ، ويُسيطر على المركز الأعلامي ، ويكون المذياع بيده
لذة ، متعة ، سفر . مال وعُمال ودوائر حكومية .
تجاوزات وإنكسارات تشعرك أن البلد يهلك وينهار . وينتقل الحديث ليصبح ذكريات مستجدات الحب والعزف والغناء على أنغام ورقصات  قناة غنوة .
غياب العقل ، ولذة الكاس والحضن المستاجر . غالباً ما تنقطع اللذة بشئ من اللعنه عندما يتدخل العقل ، ويحكي لهم أن اللذة تقود إلى المرض . وكيف ينتقل المرض .
نسبة الوقاية . وأن السم يندمس بالعسل . 
تناقضات لكنها تبقى نقاشات ممتعه يجمعها صالون الأربعاء . ولا يكتمل بغياب أحدهم .
 

إنتهى
 

سبتمبر
14

خارج القانون

تحت تصنيف سرد قصصي

 

*

اسماؤنا ليست ملكٌ لنا ، بل هي تخليد لشخصياتٍ أخرى أخذها الموت . غالباً ما يكون الأبناء ميراث مقدم للأباء يقتسمون فيه تَرِكة الأسماء ، والجد يتمسك بخرافة التعلق بالحياة ، ومقاومة الموت متى ما اشرك روح طفل يحمل معه هم الإسم . أنا ابن أمي من رضيت بإسمي والدها “عبدالله ” دون موافقتي بعد أن أُجبر أخي أن يكون ” إبراهيم ” وهو ابن أبي . لذا يحر ص كل منهما أن يكون والده أفضل وحامل إسمه طفل مهذب . أُجبرت أن ألتزم الصلاة مبكراً ، وأن أكون حسن الخلق وأترفع عن كل شئ . وأخي أتت به الفطرة أن يكون متمرد نوعاً ما وشقي وعنيد الطباع وكما همست أمي بغفلة أبي  ” قليل دين أيضاً “ .  يبدو أننا لا نملك شيئاً أختيرت لنا اسماؤنا وحياتنا .

*

سن الخامسة مميز جداً لأي طفل فهي أخر سنة حرية ، لأن ما يليها سُتقيد بنظام دراسي كريه يستمر أيام طويلة وسنوات دراسة لا تنتهي وبرنامج دراسي مشغول جداً بإختبارات موبدة بتصنيفات غبيه . خبر كالصاعقة نزل علي لأن سني يوافق بداية السنه الدراسية وتم تسجيلي بشكل رسمي  ” طالب مستجد ” بعتبة أولى من سلم تعليمي لا ينتهي . هناك أشياء كثيرة لم أفهمها ، عن المدرسة و سُورها الطويل ، عن أساتذتها ومُعلميها ، كُتبها وحصصها الكثيرة .. لذلك كانت ردت فعلي قاسية وقوية . فصل دراسي كامل حافل بطرق متنوعه للهروب من المدرسة ، لم أبقى غير اليوم الأول لنهاية الدوام وهو الحفل الترحيبي للطلاب الجُدد . كدتُ أتسبب بفصل حارس المدرسة وهو رجل مسن لا يقدر على مطاردة غزال شارد . ولا يملك سوى دعوات يرسلها إلى السماء فهمتْ من تعابير وجهه وصراخه أنها قاتلة لكن تُرد بحجة أني طفل خارج القانون .

أيام مُره وصعبة جداً ، أيام لها رائحة تجعلني أكتم أنفاسي لحظات ، رائحة مدرسة لم أجد لها تصنيف حتى الاَن . الخروج من باب المدرسة بداية يوم جديد ويعني لي الكثير ، كُنت أرفض النوم بعد الظهر لكي لا يفوتني شئ ، ولكي ألعب أكبر وقت ممكن . أيامنا كانت تحيطها البركه من كل إتجاه . نفعل كل شئ ويحدث كل شئ وتمر فيه كل الفصول ” صحو وغبره ومطر “  . لا يعرفني أبناء الجيران إلا لأحداث المدرسة الهروب والبكاء الكثير ، لم اخرج للعب معهم إلا بعد حين ، دائماً ما ألعب لوحدي ومن الصعب جداً أن أندمج مع شخصية أخرى ، صداقتي أمر ليس بالهين ، ومن أصادقة فراقه صعب ورضائه الأهم .  جمعتني المدرسة بعدد من أبناء الجيران ، وأرتبطت بهم لأنهم شركاء في الزنزانه ” الصف ” . أراءهم بعد الخروج من المدرسة ونستمر باللعب لأوقات كثيرة . كان حجمي صغير جداً لا أشغل حيز كبير . ملامحي بسيطه وشعري كثيف . ملامح طفل لم ينضج بعد . البراءة عنوانه وهدفه اللعب في كل مكان .
ذات مساء قصدت بيت الجيران للبحث عن غريبي الأطوار ” أصدقائي ” ومن الطبيعي أن أقتحم البيت دون إستئذان وجدت إبنتهم وهي تكبرني أعوام ، أعتقد أنها عاشت ضعف عمري ونصف ، لأنها قاربت أن تصبح امرأة  كما أنها بُرمجة على كيد النساء . طلبت مني اللحاق بها لأجد أخوتها ، ولم أعرف ما يدور ببالها . بعد أن ضاق المكان وقلت منافذ الخروج وأنا الخبير بالهروب إستطاعت أن تحصرني . يإلهي لم أجد تفسير لتلك اللحظات سوى أن ما يحدث لا يجب أن يعرف به أحد . كادت تخنقني بحملها الثقيل . وتعذب جسدي الصغير بأوامرها التي لم يبُرمج عليها بعد . كانت تُقبلني بعنف ، وتمرر يدها لتنعش الكامن من طاقتي . غضَبتْ كثيراً لاني شعرت بالنعاس ولم أجد تبرير لذلك غير أني طفل صغير . بعد ما فلت من يدها ،  لم أتوقف إلا بمنتصف بيتنا . كم تمنيت أن ألتقي بتلك المرأة  ليس دفاعاً عن فحولتي لأصحح موقفي وأخبرها أني أصبحت رجلاً . لكن لأسالها ماذا وجدتْ بطفل صغير ؟ . تجنبتها بعد ذلك وكرهت أخوتها وطريق بيتهم . كتمت سري وتجاوزت الموقف وحدي . لذا لم أبقى ضحية تحرش جنسي من امرأة ، ولم أطالب برفع قضية التسبب بإنحراف مبكر . كما انني والله الحمد على مايرام لا اشتكي من عقد ولا من إضطرابات نفسية .

مضت الأيام وأنتقلت إلى زاوية أخرى من المدرسة وهي الصفوف الإبتدائية المتقدمه . بدأت معها التساؤلات الطفولية المعقده عن الله و أصل الوجود عن الزواج والتكاثر والفرق بين الرجال والنساء . عن كل ما يدور حولنا وهي محاولة لإكتشاف الحياة . وهذا ما دعاني لأطلق على تلك الفترة  ” المُفَكر الصغير  ” . المرحلة المتوسطه كانت أكثر طمأنينه مع عدم إرتياحي للمدرسة إلا أني صبرت لقربها من البيت ولقصر المتوسطه ثلاث سنوات ليست بالكثيرة مقارنه بالإبتدائية ست سنوات . بهذه المرحلة برزت بعض مواهبي ومارست شيئاً من هواياتي كانت  كثيره إضافة لموهبة الغناء التي لم تنمى بسبب عدم تحقق حلمي بالعزف على العود عندما لاقيت معارضة شديدة من أمي ، أو بالأصح لم يأخذ والدي الأمر بجديه

لم يكن الطيران بالنسبة لي سوى حلم يراودني كثيراً وينتهي بمجرد أن استيقظ من النوم . ولكنه تحقق وارتفعت عن الأرض كثيراً عندما إصطدمت بي سيارة وأنا أقود دراجة نارية . تحطمت يدي وعجلة الدراجة .
الفروسية وركوب الخيل لم تكن هواية رسمية .. متعه لحظية  بتوفره ولا أجد من نفسي إلحاحاً بركوبه . لكني الاَن أجد إستنكاراً منها متى ما رأيته بعد أن عانيت يومها من اَلام بالظهر وعضلات البطن وتغير بطريقة مشيتي حيث رمى بي من فوق كثبان رملية .

إلتحقت بحلقات تحفيظ القراَن مساءاً وأستمريت بها أربع سنوات ، ولم تخلو من الغراية أيضاَ . يرغب كثير من الطلاب بحلقات تحفيظ القراَن بسبب الزيارات والإجتماعات والرحلات الإسبوعيه .على عكس ما افعل  طوال فترة ألتحاقي لم أحضر إجتماع ولا زيارة ولاحتى رحلات . لا ارغب بتنقل معهم كثيراً . أقرأ ما حفظت من القراَن وأنصرف . لا أنصت لكل ما يلقى من دروس . .  أناقش كثيراً واسأل وأعترض . كان سبب إنسحابي عندما تقدم طالب ليخبر المعلم  أن الأخر يستمع للغناء وهو يقول ” يا استاذ من يستمع للغناء مجرم عظيم ” هنا قاطعة حديثهم وأعلنت معارضتي وإنسحابي بعد أن أغضبهم كلامي .

المرحلة الثانوية والجامعيه كانت بالنسبة لي مُفترق طرق وأصدقاء جُدد . بعد أن رحلت الطفولة بمتعتها وشقاوتها ومواقفها البريئة  .

إنتهى . .

يوليو
06

الخُرافةُ التي تصنعُ القُبله

تحت تصنيف سرد قصصي

الفتى الأسمر الغامض كما يسميه أغلب من يسكن منطقة سبعة وستين . كان شابا وسيماً ، أعزب . يسكن في شقه صغيرة بالدور الثاني من العِمارة التي تملكها والدة سلمى ، لا تأخذه اهتمامات الشباب كثيرا، ولا يملك سوى عددٍ قليل من الأصدقاء ما يشغله هو عمله فقط . يخرج كل صباح فيصادف سلمى في سلّم العمارة ويلقي عليها تحية الصباح . ويراها في طريق عودته ويلقي عليها تحية المساء .
عند نهاية كل شهر ينزل لشقة والدة سلمى بالدور الأول من العِمارة يتبادلان أطراف الحديث بينما تقوم سلمى بإعداد القهوة .
تسأل والدة سلمى النزيل : لِمَ لم تتزوج لتجد من يهتم بك؟
يُجيبها بعد أن تنقطع ابتسامته . . الزواج بالنسبة لي حُلم جميل وأمل . أرجو أن يبقى كذلك على أن يتحول إلى كابوس مؤلم .
والدة سلمى :لم أفهم .
النزيل : أقصد أن لي  فكرا ومزاجا يصعب على أي أنثى تحمله ومعرفة ما أريد .
تُقدم سلمى القهوة .
يرتشفها سريعاً ويدفع قيمة الإيجار ثم يطلب الإذن بالمغادره .

*
يشغل عقل سلمى كثير من التساؤلات ، وسُرعان ما تقطع تفكيرها بقولها ” مجرد نزيل يدفع الإيجار دون تأخير ” .
ولكن صورته لا تزال عالقةً بذهنها ، تُقلبها كل ليلة ٍ قبل أن تنام .
لم تجد سلمى وسيلة ً لتعرف ما بداخل هذا النزيل . فكرت كثيراً لكن لم تجد شيئاً يجذبهُ إليها .
لم تسمع منه سوى كلمات شكر على فنجان قهوه تصنعه له نهاية كل شهر . لا تزيد كلمة أخرى حتى لو اضافة سكر .
صحت متأخرة على غير العاده . وكان نتيجة سهرها ليلة البارحة حيث كانت الأفكار تتراقص برأسها ، ولم تستطيع أن تُغمض عينيها .
وقفت سلمى أمام المرآة الكبيرة التي تعكس صورتها كاملةً . هل هي جميلة ؟ إنها على أية ِ حال ليست بشعة .
إن لها شعراً طويلاً أسود يُغطي ظهرها حتى نهايته ، وهو سر الجاذبية ِ فيها . وتملكُ ثغراً صغيرا وكأنه رُسم بريشةِ فنان .
عنقاء . . كانت تضع يدها على رقبتها عندما تُقبل على حبل المشنقة . وهو كابوس يُزعجها بسبب أصدقائها الصغار عندما كانوا ينادونها بصاحبة الرقبة الطويله . حيث إن والدتها كانت تقول لها ، محاولةً تهدئتها ” الرقبةُ الطويلة تُثير الرجال ” .

*
علمتْ سلمى أن الفتى الغامض كما تسميه يعمل في مجال الزراعة . فرحت كثيراً لتجد حجةً في التردد إليه وسؤاله .
بالقرب من عمارة والدتها توجد شجرةً كبيرة لها ظل واسع وهي أول من سكن الحي
تُعتبر محطة توقف للكثير من المارة يحتمون بظلها من أشعة الشمس . سألت سلمى والدتها. . ما حكاية هذه الشجرة ؟ أشعر أنها تُخفي الكثير .
لا توجد لها حكاية ، ما أعرفه أنها شجرة صنوبر معمره  ، تكبر ويكبر ظلها ويستفيد الناس . فكرت سلمى مليا، وأيقنت ْ أن هذه فرصتها الذهبية للوصول إلى النزيل .
صعدتْ سلم العمارة لتصل إلى الدور الثاني ، وتطرق باب الشقة التي باتجاه اليمين . مكثت دقائق دون أن يُفتح الباب . وما إن اتجهت للنزول حتى وصل . ألقت عليه التحيه مع ابتسامة عريضه . أخبرته بقصة شجرة الصنوبر المعمرة . اتجها سويا إلى الشارع ليلقيا نظرة على الشجره .
إنها شجرة جميلة . الصنوبر هو ثمار شجر الصنوبر من العائلة المخروطية ، وهو شجر عظيم تُصنع منه السفن منذ قديم الزمان ، تؤكل ثماره .و الصنوبر مفيد لأمراض الصدر ،و مكافح للسعال .
ذُهلت سلمى من المعلومات التي يمتلكها وقدرته على الكلام .فلزمتْ الصمت طويلاً وهي تُحدق في عينيه .
استمر النزيل في الكلام . . أعتقد أن طولها ثلاثون متراً ، يبدو أنها بلغت المائة عام ، وقد تعيش حتى مائة وخمسين سنه .
اقتربت سلمى منه ، وأصبحا تحت ظلها . توقف بعدها عن الكلام ، ثم قال :وماذا عن حكايتها . .؟
صمتت قليلاً ثم قالت : يُحكى أنه ما إن يلتقي رجل وامرأة تحت ظلها ، إلا وجب عليهما تقبيل بعضهما بعضا . ومن لم يفعل ذلك ستلحق به اللعنة بقية عمره .
وأنت هل تصدقين ذلك؟
لا أدري . لكن أكره أن تصيبني لعنه .
اقترب منها حتى أحست بحرارة أنفاسه ، متأملاً ثغرها .
وكأنه طفل يُريد أن يقطف وردة .

 

انتهى . .

يونيو
23

طفلة الساحل

تحت تصنيف سرد قصصي

 

هناك بعيد عن بلدي وجفافها . في الطريق إلى الساحل الغربي من شبة القارة التي أسكنها . وصلتُ إلى عروس البحر الأحمر وهي كما عهِدتها .
بشوارعها الكبيرة التي تزينها سياراتها الفاخرة، وأبنيتها الجميلة ذات التصاميم المماثلة .
بأسواقها ومحلاتها التجارية المتناثرة ، ومطاعمها التي تنبعث منها رائحة لأكلات البحرية الشهية . بسكانها وروحهم الجميلة ، وقلوبهم الطاهرة النقية .

هناك منطقة أبحر بكورنيشها وشواطئها الجميلة . . لا أدري هل هي الشمالية أم الجنوبية . . ولكنها الأفضل .
تتميز بمقاهيها الممتدة على طول البحر ، والتي تنبعث منها رائحة المعسل والتبغ وأصوات القهقه والضحك .

قصدتُ إلى أبحر في ليلةٍ ساحرة من ليال الصيف الجميلة . نبذتُ عني عادات الإلتزام الكيئبة . فافترشت الثرى لــ أعيش حياةً بسيطه ، وتمددت على العشب الأخضر وعند قدمي قطةٌ تتفحص الأرض تبحث عن رزقها .
لم أمكث طويلاً ، بقيت جسداً ولا أعرف إلى أين تسلقت روحي .
حاولتُ جاهداً رفع جفني . لم أرَ حولي سوى طفلةً صغيرة لم تكتمل انوثتها بعد . . أو بالأصح هي بعمر الحيرة . لا تدري هي طفلة أو امرأة كبيرة .
سالتها : ( ما اسمك ؟ ) .
فقالت : ريم . مع إبتسامة بها من التعب ما جعلها صغيرة ، وبها من الشقاء ما جعلها صفراء .
نظرتُ في وجهها فإذا هي بريئةٌ جميلة ، عينيها كبيرة ، تمتلك ثغر صغير وكانه وردةً حمراء . فيها من عذوبة وسحر الشام . وسمرة وجاذبية الحجاز .
أصبح جسدها كــميزان يحمل بكفتية أكياساً كبيره . علمتُ بأنها تعمل بائعه . تعطر الناس برائحةٍ زكـيه .
خجلتُ من طول تاملي . وهي تنتظر لعل الله يلهمني فـناديها واشتري .
قلتُ لها : لما تعملين هنا ، انت طفلة صغيرة !
و أي عمل يعمل والدك ؟ .
فقالت لي : وهي تقاوم عبرتها التي تخنقها ( أبي عاجز ، وأنا وأخي نعمل في بيع العطور ) .
قلبت بضاعتها كما قلبت عليها المواجع . نظرت بعينيها وقد ظهر عليهما الإرتياح .
عيون الأطفال جميلة حلوة كابتسامتهم .
فقلت : ريم عينيك جميلة وزرقتها رائعه .
فضــحكت وأهدتني عطر من عطورها الرخيصة وقالت : هذا أحلاهم .

*
انفصلتُ عن ريم بوداعٍ سريع بلا قبله . أنا لم أقبلها لأني وقفت متهيب أمام طفلةٍ ناضجة . وهي لم تقبلني لأني سرقت الوقت منها ولم تبع بضاعتها .

انتهى . . 

تم نشرها في مجلة أنهار الأدبية – العدد 75 

 قارئ الأفكار 2006

 

 

يونيو
12

الإيرانية

تحت تصنيف سرد قصصي

” قد يصنع لنا القدر موقفاًُ . ليشعرنا بأن هناك لحظات جميلة لا تتكرر “أين أنتِ الاّن . . ماذا تفعلين
إلى الاّن تستمد الشمس منكِ نورها
أم أطفأه رجل
ودنسَ أجمل لوحة


*

ليتها تعلم . . مضى سنتين على تلك اللحظات . والإيرانية بمخيلتي مرسومة . عجباً لها لا تقبل الإزالة . يبدؤ أن مخيلتي تعشق الجمال وتحتفظُ بالأشياء الجميلة .
بعد سفري لمكه لأخذ عمرة . إكتشفت عبادة من نوع أخر ، لا تحتاج لصلاة وتكبير . لم أجربها من قبل . هي التامل بعجائب الخالق وعظمةِ خلقه . وجدت بتلك الفتاة عظمة . بتاملها يزيد إيمانك ، وتشعر بلذةٍ إيمانية .
لن أنسى تلك الحملة القادمة من إيران إلى مكة ومعهم تلك اللوحة الرائعة . وضعها القدر عند باب الفندق لتسقط عيني عليها . وأحظى بنظرةٍ أولى صُرح لها شرعاً على فتاةٍ إيرانية .
وجهها من نور ، ليست بالطويلة ِ ولا بالقصيرة . ثغرها وردة ٌ حمراء ، جسدها متناسق ، غُلف بعباءة زادتها جمالاً ، نزلت على كتفيها لترتفع بمقدمة جسدها ببزوغ في أيامه الأولى من النضوج . وتنفتح من بين رجليها ليظهر بنطلون يخفي بقيتها .
خطواتها متقاربة ، وحركت شفتيها معدودة .
التزمت بالصمت . وأكتفيت بالمشاهدة . لا أنا أتكلم الفارسية ، ولاهي تفهم العربية
نتبادل النظرات فقط .
” من اجلكِ سـ أتعلم كيف تُنطق الفارسية ، وأبدأ بكلمة أنتِ حورية ”
لم أقدر على النوم في تلك الليلة . فـ نورها أضاء محيطي وأبعد النوم عني .
” لو علمتْ أن من يأخذ عُمرة ، يُرزق بنظرة . لـ أعتمرتُ الف مرة “
تداخل نورها بنور الصباح . وبدأ يوم جديد . والإيرانية أكلت العقل والتفكير .
أحسستُ بحاجةٍ لـ أجواء إيمانية . وقراءة للقراّن لعلها تمسح صورتها من على البال وأستريح . وأشرب من ماء زمزم لـ أُشفى من سهمِ عينيها الذي أصابني فـ زعزع كياني .
بعد المغرب صعدت للدور الثاني من الحرم بحثاً عن الهدوء . لم أعلم أنه قرر لي موعدٌ اّخر ليرسخ صورتها اكثر . هذا ما أراده القدر .
يبدؤ أن السماء لم ترحمني . ودعائي إنعكس علي . أم أن جمالها يفرض رؤيته أكثر من مره . أم أنها نزلت لي حورية .
لا أدري . .
تناديني فتاتي بـ الحانٍ شجيه ، تُردد حُسينيات رائعه . بخشوع وبكاء يُذيب قلوب القساة . تمنيت الإنضمام تعاطفاً معها ، وأُنادي كما تنادي .
نورٌ وخشوع ، إيمانٌ بيقين . . حقاً إيران تستحق تاء التانيث .
*

اللحظات الجميلة لا تتكرر . ولا يبقى منها سوى الذكرى
نتذكر فـ نبتسم
ونتمنى أنها لم تنتهي . .

 

الحرم المكي 2005

 

 

 

نطمح في عالم افتراضي فاضل لا يُهضم فيه حق المغترب والمجنون ..  جميع الحقوق محفوظة لمدونة الفكر المجنون

تصميم : Example 4D